-->

بين أوسلو وطوفان أكتوبر، هل يُقاس التاريخ بالشعارات أم بالنتائج؟

نورهان حمودة - كاتبة وباحثة سياسية

في خضم الجدل الفلسطيني المتصاعد حول مسارات الصراع ومستقبله، تطرح الكاتبة نورهان حمودة قراءة نقدية تضع التجربة الفلسطينية خلال العقود الأخيرة أمام سؤال جوهري: هل تُقاس الحركات السياسية بحجم شعاراتها ومواقفها الثورية، أم بقدرتها على إنتاج نتائج سياسية ملموسة على الأرض؟

وتنطلق حمودة في مقاربتها من مقارنة بين مرحلتين مفصليتين في التاريخ الفلسطيني الحديث: مرحلة اتفاق أوسلو وما تلاها من بناء مؤسساتي وسياسي، ومرحلة التصعيد المسلح التي بلغت ذروتها في أحداث السابع من أكتوبر وما أعقبها من حرب واسعة النطاق.

أوسلو: من منطق التأسيس إلى بناء الكيان السياسي

وترى الكاتبة أن اتفاق أوسلو، رغم ما يحيط به من جدل سياسي، شكّل نقطة تحول مركزية في التاريخ الفلسطيني الحديث، إذ نقل القضية من حالة الشتات السياسي إلى فضاء الاعتراف الدولي والتمثيل المؤسسي.

ومن أبرز ما ترتب على هذا المسار، وفق القراءة التي تقدمها:

* الانتقال من تمثيل فلسطيني في المنفى إلى وجود سياسي وإداري داخل الأراضي الفلسطينية.

* تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية بوصفها نواة كيان سياسي وإداري.

* تعزيز الاعتراف الدولي بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني.

* بناء مؤسسات مدنية وأمنية وتعليمية وصحية شكّلت البنية الأولى لفكرة الدولة.

* توسيع الحضور الفلسطيني في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.

وتؤكد هذه القراءة أن أوسلو لم يكن مجرد اتفاق سياسي عابر، بل محاولة لتأسيس مسار تدريجي يقوم على تحويل الصراع من مواجهة مفتوحة إلى مشروع دولة قابل للتطور ضمن معادلات دولية معقدة.

التحول بعد أوسلو: صعود منطق المواجهة

في المقابل، تشير الكاتبة إلى أن المرحلة اللاحقة شهدت تصاعداً لخطاب سياسي قائم على أولوية المواجهة المسلحة، مدفوعاً برؤى أيديولوجية تعتبر أن المسار التفاوضي لم يحقق أهدافه، وأن التغيير لا يمكن أن يتم إلا عبر الصدام المباشر.

وترى أن هذا التحول لم يكن مجرد اختلاف في التكتيك، بل في تعريف الإنجاز السياسي ذاته:

هل يُقاس الإنجاز ببناء مؤسسات تدريجية ودولة قابلة للحياة، أم بإحداث هزات عسكرية كبرى حتى وإن لم تُترجم إلى مكاسب سياسية مستدامة؟

السابع من أكتوبر: بين اللحظة العسكرية والكلفة السياسية

وتعتبر حمودة أن أحداث السابع من أكتوبر مثّلت ذروة هذا المسار التصادمي، حيث دخل الصراع الفلسطيني مرحلة حرب شاملة ذات كلفة إنسانية وسياسية غير مسبوقة.

ومن أبرز نتائج هذه المرحلة:

* دمار واسع في قطاع غزة طال البنية التحتية والمساكن والمرافق الحيوية.

* خسائر بشرية كبيرة في صفوف المدنيين.

* انهيار شبه كامل في البنية الاقتصادية والاجتماعية داخل القطاع.

* تراجع أفق أي مسار سياسي تفاوضي في المدى القريب.

* إعادة الصراع إلى دائرة الحرب المفتوحة بدل مسار التسوية السياسية.

سؤال الفعالية السياسية

وفي جوهر طرحها، تثير الكاتبة إشكالية مركزية تتعلق بفعالية الخطاب الأيديولوجي الذي يرفض التسويات التدريجية، مقابل الخطاب الذي يرى في التدرج السياسي ضرورة فرضتها موازين القوى الدولية والإقليمية.

وتحذر من أن تجاهل هذه الموازين، أو الاكتفاء بمنطق الصدام دون امتلاك أدوات سياسية موازية، قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الدمار دون تحقيق مكاسب سياسية حقيقية.

بين مسارين: التراكم أم الانفجار

وتخلص المقاربة إلى وجود نموذجين متباينين في التجربة الفلسطينية الحديثة:

الأول يقوم على التدرج، وبناء المؤسسات، وتوسيع الاعتراف الدولي، باعتباره طريقاً لتأسيس دولة قابلة للحياة.

أما الثاني فيقوم على التصعيد العسكري بوصفه أداة مركزية للتغيير، مع محدودية واضحة في تحويل نتائجه إلى مشروع سياسي مستدام.

ختاماً : التاريخ بين الشعارات والنتائج

وتختم الكاتبة طرحها بطرح سؤال مفتوح على التجربة الفلسطينية برمتها: هل يمكن تقييم التاريخ السياسي بحجم الشعارات التي يرفعها، أم بقدرته على إنتاج نتائج تحفظ للشعوب حياتها وحقوقها ومستقبلها؟

وبين أوسلو وما بعده، يبقى الجدل مفتوحاً حول أي المسارين كان أقرب إلى بناء الدولة، وأيّهما أدخل القضية في دوامة الاستنزاف المفتوح



source https://msdrnews.com/119008/بين-أوسلو-وطوفان-أكتوبر-هل-يقاس-التاريخ-بالشعارات-أم-بالنتائج
مواضيع مقترحة